حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

65

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

إشارة عرشيّة وهي أنّ القلم الأعلى أشرف من الانسان إلّا أنّ الانسان أكمل منه ، وذلك أنّ القلم الأعلى فصّل ما ضمنه فكان ذلك التفصيل هو الانسان ، فالانسان هو القلم بوجه أجمل والقلم هو الانسان بوجه أكمل ، والقلم هو حقيقة الأشياء كلّها لكن بالقوّة ، والانسان هو حقيقة ما بالقلم لكن بالفعل ، فالانسان هو القلم بالفعل كما كان القلم إنسانا بالقوّة . ولسنا نعني بالانسان هنا صورة معيّنة ، ثم أعطاه اللوح المحفوظ حقيقته وهي نفسه العاقلة لأنّها هي التي تقبل الكتابة وهي العلوم ، وأعطي حقيقة المادّة وصورته الجسميّة وحقيقة الأركان الأربعة ، وهي النار والهواء والتراب والماء . ذلك هي الصفراء التي في جسمه المشابهة للنار في الحرارة واليبوسة ، والدم الذي هو مشابه للهواء في حرارته ورطوبته ، والبلغم الذي هو مشابه للماء في برودته ورطوبته ، والسوداء التي هي مشابهة للشراب في برودته ويبوسته . وفيه ما يشابه المولّدات منها وهي الثلاثة ، ففيه العظم كالمعادن والنبات كالشعر والحيوان كجسمه المحسّ ، ففيه صور العالم الكبير مجملة . وأمّا ما منحه اللّه تعالى من المعاني والصفات فلا نهاية لها ، وبالجملة فلو تقصّينا آثار هذه الحقيقة المسمّاة بالانسانية وتتبّعنا خصائصها وصفاتها وشؤونها وأطلقنا عليها من ذلك ألقابا وأسماء لما وسعها مجلّدات ، وهي كلمة من كلمات اللّه تعالى التي تنفد البحار ولا تنفد ، وهي [ كما ] قال اللّه تعالى : « وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ » 54 . وذلك لأنّ كلّ قطرة من البحر لا تتجاوز أن تكتب معنى نفسها من جهة أنها كلمة من كلمات اللّه ، فإذن لو تضاعفت البحور إلى غير نهاية لما تجاوز قطرها حدّ أنفسها من جهة أنّها كلمات ، والوجود نفسه رقّ منشور ، والموجودات به كلمات مكتوبة والانسان منها كاتب مكتوب . وقد عبّر أيضا عن حقيقة الانسان الذي هو الانسان الكامل بالمفيض